ابن قيم الجوزية
5
الوابل الصيب من الكلم الطيب
السعادة بثلاث : شكر النعمة ، والصبر على البلاء ، والتوبة من الذنب بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . الله سبحانه وتعالى المسؤول المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة ، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا أذنب استغفر . فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد ، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه ، ولا ينفك عبد عنها أبداً . فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث . الأول : نعم من الله تعالى تترادف عليه ، فقيدها ( الشكر ) . وهو مبني على ثلاثة أركان : الاعتراف بها باطناً ، والتحدث بها ظاهراً ، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها . فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها . الثاني : محن من الله تعالى يبتليه بها ، ففرضه فيها ( الصبر ) والتسلي . والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور ، وحبس اللسان عن الشكوى ، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه . فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة ، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة ، واستحالت البلية عطية ، وصار المكروه محبوباً . فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه ، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته ، فإن لله تعالى على العبد عبودية الضراء ، وله عبودية عليه فيما يكره ، كما له عبودية فيما يحب ، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون . والشأن في إعطاء العبودية في المكاره ، ففيه تفاوت مراتب العباد ، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى ، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية . هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية ، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ، ونفقته في الضراء عبودية ، ولكن فرق عظيم بين العبودتين . فمن كان عبداً لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى : { أليس الله بكاف عبده } وفي القراءة الأخرى { عبادة } وهما سواء لأن المفر مضاف فينعم عموم الجمع ، فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة ، فمن وجد